نخبة من الأكاديميين
914
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العلماء الفلسفة ، إلا أنهم وجهوا انتقادات لها في الوقت نفسه . ويمكن أن نذكر في هذا المجال أفضل الدين الغيلاني ( الذي كان حياً سنة 576 ه - ) فقد ألف كتباً حول حدوث العالم ، وانتقد فيه الفلاسفة . وكان هذا الاتجاه اتجاهاً جدلياً في تقديم الشكوك على الفلاسفة والمناقشة لبراهينهم . الاتجاه الفلسفي في علم الكلام ودور الفخر الرازي مع فخر الدين الرازي ، تعرّف علم الكلام بصورة أكثر على الفلسفة والمناهج والمصطلحات الفلسفية . وهذه الحركة بدأت معه ومع معاصريه أمثال سيف الدين الآمدي ( المتوفى سنة 631 ه - ) ، المتكلم الأشعري المعروف . وقد تأثر الفخر الرازي بالنهج الفلسفي في كتبه الكلامية وفي الأدلة الكلامية ، مستفيداً من المنطق الأرسطي والطريقة الفلسفية للدفاع عن الآراء الكلامية حسب المذهب الأشعري ، وكذلك في كيفية تقديم وتأطير المسائل ، وفي المشكلات الفلسفية ، وفي النهج المنطقي . كما أنه انفتح على الفكر الكلامي المعتزلي وخاصة آراء أبي الحسين البصري في العقائد الدينية أو في المباحث الكلامية . وقد كتب الرازي كتباً في الحكمة ( الفلسفة ) مثل الملخّص والمطالب العالية ، وكتباً في الأصول ( أصول الدين / الكلام ) مثل الأربعين في أصول الدين وغيره ؛ وكان يعالج المسائل الكلامية من منطلق قريب من منهج الفلاسفة . وقد استفاد من أساليبهم ومن نظرتهم إلى المسائل في تدوين الكتب الكلامية . ولكن هذه الحركة ، أعني تدوين كتب فلسفية من قبل متكلم على مستوى فخر الدين الرازي كان له أثر إيجابي في الاتجاه الفلسفي لعلم الكلام ، وفي تعرّف المتكلمين على الفلاسفة والنهج الفلسفي . وكما قلنا ، كانت تتزامن وتتسابق مع هذا الاتجاه حركة النقد والاعتراض على الفلسفة من قبل المتكلمين ، وخاصة من قبل متكلمي السنة . وقد شهد القرن السادس اتجاهاً نقدياً تجاه ابن سينا عند الفلاسفة أنفسهم ونراه عند أبي البركات البغدادي ( المتوفى سنة 547 ه - ) في الشرق ، وعند ابن رشد ( المتوفى سنة 580 ه - ) في المغرب الإسلامي . ومن بين معاصري الفخر الرازي هناك الاتجاه النقدي عند عبد اللطيف البغدادي ( المتوفى سنة 629 ه - ) أيضاً . فبعد كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي ، بدأت حركة النقد للفلسفة من قبل المتكلمين ، وكان الفخر الرازي قد تصدّى لمناقشة أفكار الفلاسفة أيضاً وبصورة منتظمة ، وعادة ما يذكر في كتبه مناقشاته ومجادلاته وإشكالاته على الفلاسفة ؛ مستفيداً من النهجين الفلسفي والكلامي في الوقت نفسه ؛ وشرح " الإشارات " لأبي علي ابن سينا ، وقد تصدى فيه للرد عليه وعلى الفلاسفة كلما رأى حاجة إلى ذلك عند اختلاف رؤية الفلاسفة مع أنظار ومعتقدات الأشاعرة الكلامية ؛ واستفاد الفخر من أبي البركات أيضاً في انتقاده ابن سينا . أحدثت منهجية الرازي في الجمع بين الفلسفة والكلام أثراً على الفكر الكلامي للأجيال التالية لأنه معها مزج بين الفلسفة والكلام بحيث تغيَّر الأمر بصورة كبيرة عما كان عليه في الكتب الكلامية في ما يتصل بتقديم المسائل والبحث عن الإشكاليات والقضايا . هذه الحركة أثرت أيضاً في الفكر الفلسفي ؛ فالفلسفة تأثرت في ما سبق منذ الكندي ( المتوفى حوالي سنة 252 ه - ) ، والفارابي ( المتوفى سنة 339